الصالحي الشامي
388
سبل الهدى والرشاد
أي فعله فيكون الجواب : الروح من فعل ربي ، إن كان السؤال : هل هي قديمة أو حادثة ؟ فيكون الجواب : أنها حادثة " . . إلى أن قال : " ولهذا سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء والتعمق فيها " . وقال الإسماعيلي : " يحتمل أن يكون جوابا وأن الروح من جملة أمر الله وأن يكون المراد : اختص الله عز وجل بعلمه ولا سؤال لأحد عنه " . وقال السهيلي بعد أن حكى ما المراد في الآية : " وقالت طائفة : الروح الذي سألت عنه اليهود هو الروح الإنسان ، ثم اختلف أصحاب هذا القول ، فمنهم من قال : لم يجبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على سؤالهم ، لأنهم سألوه تعنتا واستهزاء ، فقال الله عز وجل : ( قل الروح من أمر ربي ) ، ولم يأمره أن يبينه لهم ، وقالت طائفة : بل أخبرهم وأجابهم بما سألوه ، لأنه قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( قل الروح من أمر ربي ) ، وأمر الرب هو الشرع والكتاب الذي جاء به ، فمن دخل في الشرع وتفقه في الكتاب والسنة عرف الروح ، فكان معنى الكلام : ادخلوا في الدين تعرفوا ما سألتم عنه ، فإنه من أمر ربي أي من الأمر الذي جئت به مبلغا عن الرب ، وذلك أن الروح لا سبيل إلى معرفتها من جهة الطبيعة ولا من جهة الفلسفة ولا من جهة الرأي والمعرفة ، وإنما تعرف من جهة الشرع ، فإذا نظرت إلى ما في الكتاب والسنة من ذكرها نحو قوله تعالى : ( ثم سواه ونفخ فيه من روحه ) ( السجدة : 9 ) أي من روح الحياة ، والحياة من صفات الله سبحانه وتعالى ، وإلى ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن " الأرواح جنود مجندة " ، وأنها تتعارف وتتشام في الهواء ، وأنها تقبض من الأجساد بعد الموت ، وأنها تسأل في القبر فتفهم السؤال وتسمع وترى ، وتنعم وتعذب ، وتلتذ وتتألم ، وهذه كلها من صفات الأجسام ، فإنك تعرف أنها أجسام بهذه الدلائل ، لكنها ليست كالأجسام في كثافتها وثقلها وإظلامها ، إذ الأجسام خلقت من طين وحمأ مسنون ، فهو أصلها ، والأرواح خلقت من ماء كما قال الله سبحانه وتعالى ، ويكون النفخ المتقدم المضاف إلى الملك ، والملائكة خلقت من النور كما جاء في الصحيح وإن كان قد أضاف النفخ إلى نفسه سبحانه وتعالى وكذلك أضاف قبض الأرواح إلى نفسه فقال : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) ( الزمر 42 ) ، وأضاف ذلك إلى الملك أيضا فقال : ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) ( السجدة 11 ) ، والفعل مضاف إلى الملك مجازا وإلى الرب حقيقة . فالروح إذا جسم ولكنه من جنس الريح ، ولذلك سمي روحا من لفظ الريح ، ونفخة الملك في معنى الريح ، غير أنه ضم أوله لأنه نوراني ، والريح هواء متحرك . وإذا كان الشرع قد عرفنا من معاني الروح وصفاتها هذا القدر ، فقد عرف من جهة أمرها كما قال سبحانه وتعالى : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) ( الإسراء 85 ) ، وقوله : " من أمر ربي " ، أيضا ، ولم يقل من